
# لغز الدلاية الذهبية
كل يوم في الصباح كان الغثيان بيزيد، والدكاترة مبيعملوش حاجة غير إنهم يهزوا كتافهم. وفي المترو، راجل عجوز بيشتغل في الصاغة مسك إيدي فجأة، وعينيه برقت وهو باصص للعقد اللي في رقبتي.
همس بصوت متوتر: “اقلعي السلسلة دي فورًا… في حاجة جوه الدلاية!”
دمي نشف في عروقي، ورديت بتوتر: “دي هدية من جوزي!”
يا ترى إيه اللي ممكن يكون خباه في رقبتي؟ وليه؟
كل يوم كنت أصحى والتعب مش بيروح.
في الأول قلت يمكن القهوة مش مناسبة، وبعدها قلت ضغط شغل أو لخبطة هرمونات. لكن لما الموضوع استمر أسابيع، ومعاه دوخة وصداع وطعم معدن غريب في بوقي، قررت أخيرًا أروح للدكتور.
تحاليل دم، أشعة، وأسئلة مبتخلصش.
دكتور مدحت قالي بهدوء: “يا مدام ليلى، يمكن ده توتر عصبي. التحاليل كلها سليمة. حاولي ترتاحي، وممكن تشوفي دكتور متخصص.”
ابتسمت بالعافية وهزيت راسي، لكن من جوايا كنت متضايقة جدًا. أنا عارفة إن في حاجة غلط. مفيش حد بيصحى تعبان كل يوم كده من غير سبب!
لما رجعت البيت، هشام جوزي باس راسي وقالي وهو بيطمن عليا:
“يا حبيبتي، إنتِ مكبرة الموضوع. الدكتور قال إنك كويسة.”
قلت له بضيق: “بس أنا مش حاسة إني كويسة. يمكن فاته حاجة.”
اتنهد وقال: “إنتِ مجهدة من الشغل. انسي الموضوع بقى عشاني.”
ومسح بصباعه على السلسلة اللي في رقبتي. كانت سلسلة ذهب رقيقة فيها دلاية على شكل دمعة، جابهالي في ذكرى جوازنا الخامسة.
وقالي وهو بيعدلها: “شوفي، إنتِ لسه زي القمر. بطلي قلق بقى.”
حاولت أصدقه، وحاولت أصدق الدكاترة، لكن كل يوم في الصباح كان التعب بيزيد أكتر.
يوم الخميس كنت في المترو، ماسكة في العمود وبحاول أقاوم الشعور بالتعب مع هزة القطر.
كان في راجل كبير قاعد قدامي، وعينه منزلتش من على السلسلة. مش نظرة غريبة، لكن نظرة فحص وتركيز.
أول ما المترو هدي، قام ووقف قدامي وقال بصوت واطي:
“لو سمحتي يا بنتي.”
بصيت له بخضة: “نعم؟”
رفع إيده وكأنه هيلمس السلسلة، لكنه وقف فجأة وقال:
“الفص ده غريب قوي… ممكن أشوفه؟”
كان لابس مريلة شغل قديمة مكتوب عليها “جواهرجي الصاغة”، وفي عدسة مكبرة صغيرة متعلقة في رقبته. واضح إنه صاحب خبرة طويلة.
ترددت لحظة، وبعدين وافقت.
مسك الدلاية بين صوابعه ببطء، وضيق عينيه وهو بيفحصها.
فجأة عينيه وسعت، وإيده بدأت تترعش.
همس لي بقلق:
“اقلعي السلسلة دي… دلوقت حالًا!”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“ليه؟ في إيه؟”
قال لي وصوته بيتهز:
“في حاجة جوه الدلاية… حاجة مش مفروض تكون هنا.”
مسكت السلسلة بخوف وقلت له:
“دي هدية من جوزي!”
بص في عيني مباشرة وقال:
“أنا شاكك إن في حد بيحاول يضرك بطريقة بطيئة.”
## الجزء الثاني: في حارة الصاغة
للحظة الدنيا سكتت من حولي. مفيش غير صوت قطر المترو وهو بيجري، ودقات قلبي اللي كانت بترن في وداني.
رديت بصوت واطي ومخطوف:
“إنت بتقول إيه يا حاج؟ ده كلام صعب!”
هز عم منصور راسه بأسف وقال:
“يا بنتي، أنا بقالي أربعين سنة بصلح ذهب. شفت دلايات بتتفتح عشان يتحط فيها صورة أو تذكار لشخص غالي. لكن دي…”
لف الدلاية وشارلي على خط رفيع جدًا مش واضح، وقال:
“في تجويف هنا، والمعدن اللي حواليه بدأ يتغير من الداخل. وده مش طبيعي يحصل من الاستخدام العادي.”
إيدي كانت بتترعش وأنا بفك السلسلة.
وأول ما قلعتها، حسيت فجأة بخفة غريبة، وكأن حملًا كبيرًا اتشال من عليا.
قال لي برجاء:
“تعالي معايا المحل. بلاش نفتش فيها هنا.”
من غير تفكير، ومن كتر الصدمة، مشيت وراه.
نزلنا المحطة اللي بعدها، وتمشينا شوية لحد ما وصلنا لمحل صغير في طرف الصاغة، عليه يافطة قديمة مكتوب عليها: “مجوهرات منصور”.
دخلنا وقفل الباب وراه.
سألته بقلق:
“هو لازم نقفل الباب؟”
رد بهدوء وهو بيقلع نضارته:
“لو طلعت غلطان، هتمشي وتقولي عليا راجل عجوز مش فاهم. لكن لو طلعت صح، يبقى لازم نعرف الحقيقة بسرعة.”
حط الدلاية تحت لمبة قوية، ولبس جوانتي رفيع. وبأدوات دقيقة جدًا بدأ يفك الجزء الموجود عند الخط الرفيع.
سألني وهو مركز في شغله:
“قوليلي تاني، الأعراض دي بدأت معاكي إمتى؟”
قلت له:
“من حوالي ست شهور بالظبط، بعد عيد جوازنا.”
سألني:
“وهو جابهالك إمتى؟”
رديت ببطء:
“في عشا عيد جوازنا… هشام هو اللي لبسهالي بإيده في المطعم.”
اتغيرت ملامحه، وبان عليه القلق.
وفجأة صدرت تكة صغيرة، والدلاية اتفتحت.
كان بداخلها جزء صغير جدًا، بحجم حبة الأرز تقريبًا، ومثبت بطريقة دقيقة.
جدران الدلاية من الداخل كانت متغيرة بشكل واضح، وكأن مادة ما ظلت تؤثر فيها لفترة طويلة.
عم منصور بص لي بجدية وقال:
“في مادة هنا اتجمعت مع الوقت، وممكن تكون سبب في الأعراض اللي عندك. لازم تروحي المستشفى فورًا.”
بعد فترة قصيرة، في قسم الطوارئ، الدكاترة سحبوا مني عينات دم بسرعة.
ولما ظهرت نتيجة التحاليل، الدكتورة بصت لي بنظرة فيها صدمة وقلق.
قالت لي بهدوء:
“عندك نسبة مرتفعة جدًا من مادة الثاليوم، وده عنصر سام. والواضح إن التعرض ليه كان بكميات صغيرة على مدار فترة.”
بصيت لها بذهول:
“يعني… في حد كان قاصد يعمل فيا كده؟”
ردت بصرامة:
“لازم نبلغ الجهات المختصة فورًا. الموضوع محتاج تحقيق.”
وفي اللحظة دي، صورة واحدة بس كانت قدام عيني…
هشام وهو بيلبسني السلسلة بحنان، وبابتسامة مكنتش فاهمة معناها.
## الجزء الثالث: المواجهة والحقيقة
كنت قاعدة في أوضة المستشفى، وقدامي المقدم حازم حاطط جهاز تسجيل على الترابيزة.
سألني:
“جوزك هو اللي اشترى السلسلة دي؟”
قلت له بصوت رايح:
“أيوه. قال لي إنه عملها مخصوص عشاني. كنت فاكرة إنه رومانسي.”
سألني:
“كان في مشاكل بينكم يا مدام ليلى؟ حد ممكن يستفيد لو حصل لك أي مكروه؟”
سؤاله خلاني أحس إني كنت بتجاهل حاجات كتير، لأن الإجابة بدأت تظهر قدامي.
هشام بقاله شهور متغير.
تأخير في الشغل، اهتمام مفاجئ بالرياضة، ورسائل على موبايله كان بيخبيها.
كنت بحاول مكنش الزوجة اللي بتشك في كل حاجة، لكن الحقيقة كانت قدامي وأنا اللي كنت بتجنب مواجهتها.
اعترفت له:
“في واحدة معاه في الشغل اسمها مي. شفت رسايلها كتير، وكان دايمًا يقول لي إنها زميلة وبس.”
هز المقدم حازم راسه وهو بيسجل ملاحظاته.
وقال:
“إحنا هنتحرى عن هشام، لكن دلوقت لازم تساعدينا.”
سألته:
“أعمل إيه؟”
قرب مني وقال:
“هتكلميه. تقولي له إنك تعبتي وإن الدكاترة طلبوا منك تبعدي عن الإكسسوارات لفترة، ومجبيش سيرة السلسلة خالص. اتصرفي طبيعي، وإحنا هنكون سامعين كل كلمة.”
خرجت من المستشفى بعلاج وتعليمات مشددة إني مروحش البيت لوحدي.
وفي المكان، تم تجهيز وسائل متابعة لمساعدة المحققين في معرفة الحقيقة.
بالليل اتصلت بهشام.
رد عليا بصوت كله حيوية:
“أيوه يا حبيبتي، إنتِ فين؟ بعتي رسالة من رقم غريب ليه؟”
قلت له وصوتي بيترعش:
“المرة دي بجد… أنا تعبت جدًا في الشغل ونقلوني المستشفى. بيقولوا إجهاد.”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“إجهاد؟ مش قلت لك ريحي نفسك؟”
همست:
“ممكن تيجي؟ أنا خايفة.”
قال لي:
“طبعًا يا روحي، مسافة السكة وأكون عندك.”
بعد نص ساعة دخل وشايل ورد، وعلى وشه نظرة القلق اللي شفتها منه قبل كده.
قال:
“خضيتيني عليكي يا ليلى.”
سبته يتكلم، وكنت مراقبة عينيه وهي بتدور في الأوضة.
مكنش يعرف إن كل تصرفاته محل متابعة.
اتكلمنا في الشغل، وفي الكلب بتاعنا، وفي سفريته الجاية.
وبعدين رميت الجملة اللي طلب مني الضابط أقولها.
قلت له بمنتهى البساطة:
“الدكاترة قالوا لي أبعد عن أي ذهب أو إكسسوارات لفترة. طلع عندي مشكلة مع بعض المعادن. فخلعت السلسلة.”
في أقل من ثانية، ملامحه اتغيرت وعينيه برقت.
قال بسرعة:
“إيه؟ من إمتى الكلام ده؟”




