
كنت أستمع وكأنني أحلم بكابوس لا يستيقظ منه المرء. كل تلك السنوات… التحويلات المالية السريعة، الرحلات المفاجئة التي كان يدعي أنها لمؤتمرات عمل، اقتطاعه الدائم من ميزانية المنزل، كل ذلك لم يكن سوى أقساط ثمن خيانته للعدالة وتسترنا على مخالفة كبيرة قديمة!
لكن فريدة لم تكن قد أنهت قصتها بعد. صمتت فجأة، ثم قلبت الصفحة الأخيرة من جواب سامح، وتغيرت تعابير وجهها من الغضب إلى الصدمة المروعة. أصبحت أوراق الرسالة تهتز في يدها بشدة كأنها تحمل جمرة نار.
سألتها برعشة في صوتي «في إيه تاني مكتوب؟ الجواب فيه إيه؟»
نظرت إليّ فريدة بعينين واسعتين يتطاير منهما الذهول، وقالت بنبرة تكاد لا تُسمع: «سامح… سامح كاتب في الصفحة الأخيرة إنه ما كانش بيحمي نفسه بس لما سكت… هو كاتب إن الحريقة ما كانتش بسبب المبرد الكهربائي!»
شعرت بالقشعريرة تسري في جسدي. سألتها: «أمال كانت إيه؟!»
قالت فريدة: وهي تقرأ ببطء شديد والدموع تغالبها فريدة… سامحيني للشيء الأخير اللي خبيته عليكي. المبرد ما كانش السبب. السبب كان شقيق هدى… شقيق زوجتي عادل! عادل هو اللي دخل المقر
بالليل سرق الخزنة، وولّع النار في الأوراق علشان يداري على السرقة. وأنا لما وصلت واكتشفت الحقيقة، لقيت أخوها سايب بطاقته ومحفظته في موقع الحادثة. لو كنت بلّغت، كان عادل هيدخل مركز الاحتجاز لمؤبد، وأخت هدى وعيلتها كانوا هيتدمروا قبل ما أتجوزها بأيام… أنا سكت علشان أحمي عيلة البنت اللي حبيتها، وتحملت المسؤولية قدامك، وسبتك تدفعي الثمن لأني اخترت أحمي هدى وأخوها!»
نهضتُ من مكاني ثم جلست على الأرض من شدة الصدمة. الحقيقة لم تكن مجرد خيانة أو خطأ عابر، بل كانت تضحية مؤلمة قام بها رجل أحبني لدرجة جعلته يتحمل أن يعيش خائناً ومبتزاً ومخطئاً في نظر امرأة أخرى، ليحمي أخي المتوفى وعائلتي من العار والعار!
ساد الصمت الغرفة، صمت ثقيل كالصخر. أخي عادل الذي توفي في حاډث سيارة بعد زواجي بسنتين، والذي طالما ذكره سامح بالخير والرحمة، كان هو المسؤول الحقيقي!
كان هو السبب في تدمير حياة هذه المرأة المقابلة لي، وكان هو السبب في أن يعيش زوجي طوال أربعة وثلاثين عاماً يجلد نفسه بأسواط الذنب، ويدفع نصف قوته لامرأة مظلومة ليشتري سكوتها وراحتها.
رفعت رأسي بصعوبة وأنا أنظر إلى فريدة. كانت هي الأخرى مصدومة لا تستوعب. سنوات انتقامها وغضبها وطلبها المتكرر للتعويض من سامح، طوال العقود الماضية، كانت قائمة على وهم أن سامح هو الفاعل المباشر، بينما كان سامح يتلقى الطعنات ويدفع الفدية نيابة عن أخي الراحل وعني!
قالت فريدة: بصوت مشروخ هو… هو كاتب الكلام ده بجد؟ أخوكي هو اللي أشعل المجمع؟
أخرجتُ من حقيبتي صوراً قديمة كنت أحتفظ بها لأخي عادل وسامح في شبابهما، وناولتها لها بقلب يعتصره الألم. كانت صورة تجمع عادل وسامح أمام المجمع التجاري قبل الحريق بأسابيع. عرفت فريدة الملامح، وتذكرت أن عادل
كان
يعمل معهم
في نفس الهيئة لفترة قصيرة قبل الحادثة.
انفجرت فريدة بالبكاء، بكاء مرير هز أركان البيت القديم. بكاء امرأة اكتشفت أنها عاشت عقوداً تستنزف رجلاً حمل عنها وعن غيرها وزراً لم يكن وزره المباشر، بل وزر حبه الأعمى لي ولعائلتي.
وقفتُ على قدميّ المرتجفتين، واقتربت منها وأمسكت يديها اللتين جففت فيهما السنون، وقلت لها بصوت مكسور: «سامح رحل… بس الأمانة والمسؤولية لسه موجودين. إذا كان أخي هو اللي دمر حياتك، وسامح هو اللي شال السر علشان يحميني… فأنا اللي فاضلة علشان أردلك اعتبارك. كل جنيه دفعهولك سامح من قوتنا كان حقك، وكل خطوة مشيتها في مظلمتك كانت بسببي أنا وعيلتي».
نظرت إليّ فريدة بعيون مغرورقة بالدموع وقالت سامح كتب في آخر السطر كلمة أخيرة ليكي يا هدى… كاتبلك يا هدى، «أنا اخترت أشيل المسؤولية علشان تفضلي شايفاني بطل، وعشان تفضل عيلتك مرفوعة الراس… سامحيني إن كنت خبيت عليكي، وسامحي فريدة لأنها دفعت ثمناً غالياً بسبب ما حدث».
جلستُ على مقعد في ذلك البيت الغريب في ذلك البيت الغريب، وأمسكت الأوراق التي خطها قلم زوجي الراحل قبل ساعات من أن تفيض روحه إلى بارئها. كان كل حرف في الرسالة ينبض بالألم والتمزق الذي عاشه لثلاثة عقود. رجل عاش بشخصيتين الزوج الصادق المحب في بيتي، والمسؤول المذنب الملتزم بالتعويض في بيت هذه المرأة.
قضيت مع فريدة بقية اليوم. لم نعد غريبتين، بل أصبحت تجمعنا رابطة ملطخة بالدموع والتضحيات. حكت لي كيف كان سامح يزورها كل شهر، يحضر لها المؤن، يدفع إيجار شقتها، ويجلس على ذلك الكرسي الخشب ليدون احتياجاتها، دون أن يجرؤ على النظر في عينيها مباشرة من ثقل الخجل والذنب الذي كان يحمله.
وقالت لي فريدة: «كان دايماً يقول لي: يا فريدة، حقك عليا في الدنيا، وفي الآخرة اطلبي مني اللي أنتِ عايزاه، بس ادعي لهدى إن ربنا يحفظها وما تشوفش يوم وحش».
في تلك اللحظة، أدركت الحجم الحقيقي لحب سامح لي. لم يكن حباً عادياً كالذي نراه في الأفلام، بل كان حباً مدمراً، جرف في طريقه العدالة، ودفع هو
ثمنه من صحته وراحة باله، حتى أنهكه المرض في النهاية من كثرة الأسرار التي احتفظ بها في صدره.
عندما حلت الظلمة، عدت إلى سيارتي وسلكت طريق العودة إلى بيتي في القاهرة. كان الطريق خالياً، وأضواء السيارات المتقاطعة تلمع كشريط الذكريات. لم أعد أرى سامح مجرد زوج متوفى، بل رأيته إنساناً عاش يحمل عبئاً ثقيلاً من أجل إبقائي ابتسامتي ناصعة، وحماية سمعة عائلة لم تكن تستحق كل هذا الفداء.
عندما دخلت شقتنا الفارغة، ذهبت إلى غرفته، وفتحت درج الكومودينو الذي خرج منه الظرف. لمست الخشب البارد، واسترجعت نبرة صوته وهو يقول مهما حصل ما تفتحيهوش.
الآن فقط فهمت لماذا لم يردني أن أفتحه. لم يكن خائفاً من أن أكتشف خيانته، بل كان خائفاً من أن أكتشف جُرم أخي، وأن يسقط القناع عن ذكرياتي الجميلة مع عائلتي، وأن أعلم أنه عاش طوال عمره يتعذب من أجلي.
جلستُ على سجادة الصلاة في منتصف الليل، ورفعت يدي إلى السماء. لم أعد أدعو لسامح بالرحمة فقط، بل دعوت لرجل تحمل تبعات أخطاء الآخرين، وعاش مظلوماً في عين المظلومين ليبقى كبيراً في عين من أحب. وبكيت… بكيت عن أربعة وثلاثين عاماً من الغفلة، وعن الحب الذي يكون أحياناً أشد قسوة من الخيانة.
وفي الصباح التالي، قمت بتصفية جزء من ممتلكاتي المتبقية، وأنشأت حساباً بنكياً باسم فريدة العريان، يكفل لها حياة كريمة حتى آخر يوم في عمرها، متعهدة بأن أواصل دفع الثمن الذي بدأه سامح، لا خجلاً ولا خوفاً، بل وفاءً للرجل الذي أحبني لدرجة أنه قبل أن يعيش مخطئاً في أنظار العالم، ليبقى في نظري أنا… الزوج والنقي الوحيد.
واستمرت الأيام تمشي هادئة ومحملة بذكرى سامح. كلما نظرت إلى صورته المعلقة على جدار الصالة، لم أعد أرى مجرد ملامح هادئة لزوج رحل عن دنيانا، بل أصبحت أرى بطلاً صامتاً، خاض معركة شرسة في الخفاء، وحمل وزر غيره كي أعيش أنا في سلام. وأدركت أخيراً أن بعض الأسرار لا تُدفن مع أصحابها، بل تبقى حية لتختبر قدرتنا على العفو، والتضحية، والوفاء
لمن أحبونا بصدق.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




