قصص و روايات

جوازتي من بنت عمي من حكايات زهرة الربيع

بدأت أفتعل الخناقة وصرخت بأعلى صوتي. كانت هي صغيرة لا تفهم شيئاً، وبدأت تبكي بنشيج يقطع القلب وتحلف بأغلى ما عندها أن شيئاً لم يحدث، وكنت في سري أعرف أنها نقية وشريفة، ولكن طمعي في حريتي وتخلصی من هذه الزيجة عمى بصيرتي. مسكت الهاتف واتصلت بعمي في منتصف الليل لكي يأخذ ابنتها. قامت الدنيا ولم تقعد، وجاء عمي مع أبي وحدثت مشاجرة كبرى. أبويا قال لي إن ذهبنا للدكتور سيتبين كل شيء، لكني رفضت تماماً لأنني كنت خائفاً أن تتبخر حجة حريتي، فوقفت بقسوة وقلت إني لن أذهب لأحد. نظرت إلي وهي منهارة على الأرض وتتنفض مثل العصفور المدبوح، ورميت عليها يمين الطلاق في ساعتها وتركتهم وغادرت إلى القاهرة في اليوم التالي لتبدأ مرحلة جديدة من الهروب والإنكار.

مرت خمس سنوات كاملة على تلك الليلة السوداء وأنا في القاهرة أعيش حياتي بطولها وعرضها، سهر وفسح وحياة جديدة، متناسياً تماماً الدموع التي ترك خلفها ظُلمي. تزوجت زميلة لي في العمل بعد سنتين من الاستهتار، وحضر أبي وأمي حفل الزفاف ووجوههما مكسورة ومباغتة بالحزن غير الراغبين في تلك الحياة التي اخترتها بناءً على أنقاض ابنة عمي. وبعد مرور خمس سنوات أخرى، شعرت برغبة أو بحاجة للعودة إلى البلد وأخذت زوجتي الجديدة معي وأنا لا أدر كيف سأواجه الماضي.

دخلت بيت أبي وأنا أظن أنني العائد المظفر، ولكن كان في استقبالي صدمة كبرى. أبويا كان قاعداً بجمود، وبجوار عمي الذي كان ينظر إلي نظرة شبع من خيبة أملي. سمعت صوت كعب حذاء نزل من على السلم بخطوات واثقة وله هيبة طاغية، ورفعت عيني لأرى مفاجأة لم تكن في الحسبان. لم تكن تلك الفتاة الخجولة المكسورة، بل كانت امرأة أخرى تماماً ترتدي بدلة رسمية راقية وتملأ عينيها ثقة ونصر وقوة. إنها منار التي تخرجت بامتياز وأصبحت تدير شركات ومقاولات وأملاك العائلة كلها بكل اقتدار وجدارة.

رحب بي أبي بجفاء شديد، وقدم لي الدكتورة منار باعتبارها الشريكة الكبرى في كل ممتلكات العائلة. وقبل أن أستوعب الصدمة، تقدم عمي ليقول لي ببرود قاتل إنهم في الأسبوع التالي لطلاقنا ذهبوا لأكبر استشاري طب شرعي في القاهرة واستخرجوا تقريراً رسمياً موثقاً يثبت سلامتها وعذريتها بالكامل، وأنه احتفظ بالتقرير طوال هذه السنوات الخمس ليعلمني الدروس بستر الله، وتركني لضميري الذي لم يكن موجوداً أصلاً.

نزلت الكلمات عليّ كالصاعقة، وزوجتي الجديدة وقفت تصرخ بذهول وتسألني إن كنت قد افتربت وبلغت من النذالة هذا الحد. لم أستطع الرد، ووقفت عاجزاً مكسوراً. منار انصرفت ببرود وهدوء بعد أن تركت رمال الإهانة تلتهم كرامتي، وقالت لي إن المكان لم يعد يحتمل وجودي الإداري. وفي غضون شهور قليلة، انهارت حياتي في القاهرة تماماً؛ فزوجتي الجديدة تركتني وطلبت الطلاق بعدما تأكدت من طبيعة معدني ونذالتي، وانهارت أعمالي وديوني تراكمت حتى خسرت شقتي وكل ما ملكت، ولم أجد مفرًا سوى العودة إلى البلد صاغراً ذليلاً.

رجعت إلى البلد بشنطة بالية وكسرة نفس عظيمة، وتوجهت إلى الشركة الضخمة التي أنشأتها منار لأطلب نصيبي وحصتي من الأرباح. جلست ساعات طويلة في صالة الانتظار أنتظر دوري كأقل موظف أو عامل بسيط، إلى أن سُمح لي بالدخول. كانت جالسة وراء مكتبها الواسع تحيط بها الأوراق والدروع الهندسية، رفعت رأسها وقالت ببرود قاتل إن المحاسب سيصرف لي مصاريفي المعتادة، فاستجديتها بقلب منكسر أن تمنحني وظيفة هنا لأني خسرت كل شيء. ابتسمت ابتسامة باردة وقالت إن العمل هنا للرجال الشرفاء الذين يخافون على أسمائهم، وإن أردت حقاً عملاً، فهناك وظيفة مهندس موقع تحت التمرين في الصحراء الغربية بمواعيد صارمة ومرتب زهيد يعادل المجهود.

وافقت وأنا مطأطئ الرأس وقبلت العمل تحت إدارتها وإشرافها المباشر. صرت أقف كل يوم في حرارة الشمس والغبار أراجع تقارير الموقع وأتحمل جزاءات الإدارة الصارمة التي توقعها عليّ، وكلما نظرت إليها تذكرت دموعها القديمة ونظرتها القاسية وهي تقول لي أن أتذكر ذلك اليوم جيداً. أدركت حينها أن عدالة الله لا تترك ظالماً، وأنني بنيت بسجني الخاص الذي عاقبني أشد عقاب، وفقدت نفسي وكرامي ومستقبلي بسبب طيش وغرور وظلم لا يُغتفر.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى