قصص و روايات

اتجوزت ضابط أرمل

وطّى غسان عينيه لحظة، وكأنه اتوجع من اسم مراته الأولى.
وبعدين بص للبيت.
كانت صورة مريم فوق الرف، لا متغطية ولا متخبّية.
كل أسبوع كنا بنغير لها الورد.
وفي يوم ذكراها، كنا بنحط لها خبز ومية وشمعة.
وكانت ليان بتحط دميتها اللي بعين واحدة جنب الصورة عشان ما تحسش بالوحدة.
مشى غسان ناحية الرف.
لمس الإطار.
إنتِ اللي حطيتي ده؟
قلت
العيال. أنا بس ولعت الشمعة.
إيده اترعشت.
قال
كنت فاكر إني لما أرجع هلاقي الخراب.
رد سليم قبلي
الخراب كان موجود لما مشيت. إيناس هي اللي صلحته.
خبطت الحاجة أمينة العصاية في الأرض.
كفاية! الست دي ما صلحتش حاجة. دخلت هنا بسبب الجوع، وخلّت عيالك يتعلقوا بيها، ودلوقتي عايزة تفضل وتاخد الأرض. عشان كده جبت الحاج لؤي.
اتنحنح واحد من الراجلين اللي واقفين جنب الصندوق.
كان الحاج لؤي، تاجر مواشي معروف.
شاربه تقيل، وعينيه بتراقب المكان.
وكان دايمًا بيبص لي أكتر من اللازم لما أعدي قدام دكانه.
قال
يا غسان، والدتك وأنا بينا اتفاق. إنت محتاج ترتاح. والبيت محتاج رجالة بجد. أقدر آخد الأرض مقابل الديون، وأسيب العيلة في بيت مناسب.
سأله غسان
أنهي ديون؟
ردت الحاجة أمينة بسرعة
الديون اللي عملتها الست دي.
دخلت المطبخ.
وبعدها رجعت بعلبة قديمة.
ما كانش جواها حلويات.
كان جواها إيصالات.
ضمّيت إيدي عشان ما تبانش رعشتها.
هنا كل حاجة. اللي استلفته من دكان الحاج محمود. واللي سددته بالبيض والخياطة والخبز والصابون. والحاجات اللي بعتها من عندي. والفلوس اللي والدتك سحبتها باسمك وما وصلتش للبيت.
وش الحاجة أمينة شحب.
أخد غسان الورق.
وقعد يقرأه واحدة واحدة.
المطر كان لسه بينزل.
لكن جوه البيت، محدش كان بيتنفس.
قال
هنا مكتوب إن مرتبي اتسحب من مركز المدينة.
ردت الحاجة أمينة
أيوه، عن طريقي. أنا أمك.
كمل غسان
وهنا مكتوب إن إيناس دفعت تمن الدقيق، والدواء، والخشب اللي اتصلح بيه السقف.
عدل الحاج لؤي قبعته وقال
الستات بيكتبوا حاجات كتير عشان يبانوا ضحايا.
اتقدم سليم ناحيته.
خد بالك.
رفع غسان إيده.
سليم.
وقف الولد.
بحكم العادة.
وبحكم الحب.
وبحكم غضب مكتوم جواه.
بص غسان لعياله واحد واحد.
كنتوا بتجوعوا؟
محدش اتكلم.
لكن ليان هي اللي ردت.
ساعات إيناس كانت بتقول إنها أكلت… بس أنا شفتها وهي بتعض إيدها.
اتجمد جسمي.
ليان…
لكنها كملت
ولما جالي سخونية، مشيت بالليل للبلد عشان تجيب الدكتور. وقعت في الترعة ورجعت كلها طين.
قالت ريم
وباعت عبايتها الزرقا عشان تشتري الدوا.
وقالت روز، اللي نادرًا ما كانت بتتكلم
وضربت الحاج لؤي بالمقشة…
سكتت لحظة.
وبعدين كملت
لما حاول يتعرض لي.
وش غسان اتغير.
ببطء.
وبطريقة خوفتني أنا نفسي.
رجع الحاج لؤي خطوة.
كان سوء تفاهم. أنا ما كنتش أقصد أقول كده.
لكن أنا ما عدتش البنت اللي عندها 22 سنة.
السنة دي خلتني أكبر وأقوى.
قلت
ما كانش سوء تفاهم. قال لي إن الست الجعانة ما ينفعش تتدلع بالشرف.
وقع الورق من إيد غسان.
وقع على الترابيزة زي ورق ناشف.
وبعدين اتقدم ناحية الحاج لؤي.
ما كانش سريع.
ما كانش محتاج يسرع.
لأن الراجل اللي رجع من السفر كان شايل غضب كبير في عينيه.
قال
اطلع من بيتي.
يا غسان، أنا…
اطلع قبل ما أنسى إن عيالي واقفين بيتفرجوا.
ما جادلش الحاج لؤي.
أخد قبعته وخرج تحت المطر، بيتزحلق في الطين.
حاولت الحاجة أمينة تتكلم.
غسان، الست دي بتقلبك على دمك.
بصلها.
دمي واقف وراها.
سكتت العجوز.
الجملة كانت أقوى من أي صفعة.
اتكأ غسان على الكرسي اللي جنب الترابيزة.
شفت إن ساقه بتوجعه.
لكن شفت كمان إن اللي بيوجعه أكتر هو إنه رجع متأخر.
قال
سليم، كنت ماسك العصاية ليه؟
شد الولد فكه.
عشان لما ما كنتش هنا، أنا كنت راجل البيت.
غمض غسان عينيه.
ما كانش المفروض تبقى كده.
رد سليم
بس كان لازم حد يبقى.
قطع الصمت صوت ليان.
جريت ناحية غسان.
بابا… إيناس بتعمل لنا مشروب قرفة لما الرعد بيخوفنا.
انحنى غسان كأنه اتوجع بجد.
شالها بالعافية.
لمست ليان دقنه.
دقنك بتوجع.
ضحك غسان ضحكة مكسورة.
وبعدين عيط.
ما عيطش بغضب وكبرياء.
عيط في صمت.
والبنت لازقة في صدره.
قرب التوأم.
وبعدين آدم.
وبعدين روز.
ريم اتأخرت شوية، لأنها اتعلمت ما تسيبش اللي في إيدها بسهولة.
وسليم كان آخر واحد.
فضل واقف مكانه.
عنده 12 سنة، لكن شايل فوق كتافه سنين أكتر من عمره.
بص له غسان.
سامحني.
بلع سليم ريقه.
مش عارف أقدر ولا لأ.
قال غسان
يبقى ما تسامحنيش دلوقتي.
وساعتها حاجة انكسرت جواه.
قرب الولد.
كنت واقفة عند باب المطبخ بتفرج عليهم.
وحسيت إني غريبة.
كأن دوري خلص.
خلعت المريلة.
الحاجة أمينة شافتني وأنا بعمل كده، وابتسمت بخبث.
أخيرًا فهمتي مكانك.
رفع غسان راسه.
رايحة فين يا إيناس؟
صعب عليّ أتكلم.
أبوهم رجع. خلاص مش محتاجينني زي الأول.
قالت ريم
لأ.
واتعلقت ليان بعبايتي.
إنتِ قلتي إنك مش هتمشي النهارده.
انحنيت قدامها.
ومش همشي النهارده يا حبيبتي. بس هديكم مساحة.
بص لي سليم كأني بخونه.
ده اللي كل الناس بتقوله قبل ما تمشي.
الجملة غرستني في الأرض.
ساب غسان ليان مع ريم، ومشي ناحيتي.
كان بيعرج.
ومبلول.
وريحته خليط من العرق، والطريق.
قال
إيناس، لما مشيت، سبت لكِ حمل ما كانش حملك.
قلت
بقى حملي من يوم ما قلت آه.
هز راسه.
لأ. أنا اشتريتك بالجوع.
ما حولتش عيني عنه.
في الأول.
أخد نفس عميق.
ودلوقتي؟
ما رديتش.
لأن لو قلت الحقيقة، كنت هتعرى من كل حاجة جوايا.
تدخلت الحاجة أمينة بينا.
بلاش تمثيل. غسان، بكرة نوديها مع شوية فلوس. هي عملت اللي عليها. العيال محتاجين ست من عيلة.
ضحكت ريم ببرود.
زيك؟
رفعت الحاجة أمينة إيدها عشان تضربها.
أو حاولت.
مسكت إيدها في الهوا.
البيت كله اتجمد.
أنا عمري ما لمست الست دي قبل كده.
ولا عليت صوتي عليها، رغم إنها دَاست على كرامتي أكتر من مرة.
لكن الليلة دي، وغسان راجع، والعيال بيتفرجوا، ما كنتش هسمح لإيد تانية تعلّمهم الخوف.
قلت
مش قدامهم.
حاولت الحاجة أمينة تسحب إيدها.
سيبيني يا جعانة!
مسك غسان إيد أمه وبعدها عني.
اخرجي.
بصت له كأنها مش عارفاه.
بتطردني؟
بطلب منك تخرجي من بيت عيالي.
أنا اللي ولدتك!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى