قصص و روايات

صراع العائلة

بخطوات متثاقلة، كل درجة كنت بطلعها بقلب مقبوض. وقفت قدام الباب الخشب المدهون أخضر، وأخدت نفس طويل قبل ما أخبط خبطات خفيفة.
ثواني والباب اتفتح.. كانت أم سلمى، الست الطيبة اللي وشها كله نور ورضا، أول ما شافتني ملامحها اتغيرت من الدهشة للحزن، وقالت بصوت هادي مفيش فيه لا غل ولا زعيق اتفضل يا يوسف يا ابني.. ادخل.
دخلت الصالة الصغيرة المفروشة بسجاجيد بسيطة ونضيفة، ريحة البيت اللي كنت دايمًا برتاح فيها حسيتها النهاردة بتخنقني من الذنب. سلمى فين يا خالتو؟ حماتي بصتلي بأسى، وقعدت على كرسي خيزران قديم سلمى جوة في أوضتها.. قافلة على نفسها من ساعة ما جت، مابتتكلمش ولا بتاكل، وعينيها منشفتش من البكا. أنا مفهمتش منها حاجة غير إنكوا اختلفتوا، بس لما شوفت قهرتها عرفت إن اللي حصل كبير.. إنت يا يوسف؟ إنت اللي كنت بقول عليك راجل بنتي وسندها؟!
وطيت راسي في الأرض، للمرة الأولى في حياتي أحس إن صغير ومكسور أنا غلطان يا خالتو.. وغلطي ميتغفرش، بس والله العظيم ما كنت أعرف اللي كان بيحصل من ورا ضهري، ومكنتش فاهم حجم الوجع

اللي
سلمى شايلاه.
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح ببطء.. وخرجت سلمى.
كانت لابسة إسدال الصلاة، وشها أصفر شاحب، وتحت عينيها سواد من العياط، بس النظرة اللي في عينيها.. كانت نظرة خالية من أي لهفة، نظرة خلت رجلي تتثبت في الأرض.
ماما.. سلمى قالت بصوت واطي ومبحوح سيبيني مع يوسف لوحدنا شوية بعد إذنك.
حماتي بصتلنا إحنا الاتنين، واتنهدت بحسرة وقامت دخلت المطبخ وقفلت الباب وراها.
فضلت باصص لسلمى، مش عارف أبدأ منين، الكلام كله تاه من دماغي.. خطيت خطوة ناحيتها، بس هي شاورت بإيدها وقالت بجمود خليك مكانك يا يوسف.. متقربش.
سلمى.. أنا روحت البيت وواجهت أمي.. وأمي حكتلي كل حاجة، حكتلي عن الدهب، وع عن قلة أدب نهى، وعن الكلام المسموم اللي كانوا بيقولوهولك وإنتي ساكتة ومتحملة عشاني! أنا طردتهم يا سلمى، ومسحت بكرامتهم الأرض، وطلبت من طارق يرجع تمن الدهب كله النهاردة، وبعتلهم رسالة قطعت علاقتي بيكم كلهم!
سلمى سمعت الكلام ده كله، وملامحها متحركتش.. حتى عينيها ملمعتش بأي انتصار، بل بالعكس، ابتسمت نفس الابتسامة المكسورة اللي بتدبح، وقالت وإنت فاكر إن

ده الحل يا يوسف؟ فاكر إن لما تطرد أخواتك وتكسر أهلك، كده حقي رجع؟! أنا استغربت رد فعلها، وسألتها بلهفة أومال أعمل إيه؟! مش دول اللي ظلموكي وداسوا على كرامتك؟! مش ده اللي خلاكي تطفحي الكيل وترمي الشبشب وتطلبي تبعدي؟!
يوسف.. صوتها كان بيترعش وهي بتضغط على حروفها الشبشب اللي أنا رميته مكنش بسبب أهلك، كان بسببك إنت! بصيتلها بصدمة، فكملت بدموع بدأت تفيض تاني أنا بقالي خمس سنين بستحمل أهلك، مش عشان أنا ضعيفة ولا عشان مليش ضهر.. أنا كنت بستحمل عشان بحبك إنت! كنت بقول كل ده يهون، المهم لما يوسف يدخل من الباب بالليل، يلاقيني مبتسمة وميتحملش هم خناقات الحريم.. كنت ببلع الإهانة وأقول بكرة يشوف تضحيتي، بكرة لما أقع هو اللي هقف في وش الدنيا عشاني! عارف الوجع الحقيقي جه منين إمبارح؟! الدمعة نزلت على خدها ومسحتها بعنف الوجع مش إن أمك قالتلي شوارعية وجاية من الشارع.. الوجع إنك لما دخلت وسمعت الإهانة، مشوفتش غير إني غلطانة عشان رفعت إيدي أدافع عن كرامتي.. الوجع إنك جريت عليها تطبطب عليها ووعدتها إنك تجيبني أركع وأبوس راسها، ولا فكرت ثانية

واحدة تسألني إنتي مالك يا سلمى؟ عملوا فيكي إيه وصلك للحالة دي؟! .. إنت هانت عليك مراتك في ثانية يا يوسف، وكنت مستعد تذلني أكتر عشان ترضيهم!
كلامها نزل عليا زي السكاكين، كنت سامع صوت نبضات قلبي بتصرخ بالذنب. قربت منها غصب عني، ومهمتنيش إشارتها، مسكت إيديها الاتنين بقوة، ونزلت قدامها على ركبي، دموعي نزلت من غير ما أقدر أتحكم فيها أنا حمار يا سلمى.. أنا كنت غبي ومغمي عيني.. كنت فاكر إن البر بيهم إني أجي عليكي، ومكنتش فاهم إن ربنا هيحاسبني عليكي قبل ما يحاسبني عليهم في ظلمك! حقك عليا، اديني فرصة واحدة، فرصة واحدة بس أثبتلك إني اتغيرت، وإني مستعد أبيع الدنيا كلها عشانك!
سلمى حاولت تسحب إيديها، بس لما شافت دموعي وانكساري قدامها، إيديها ارتدت في إيديا، وشفت في عينيها صراع مرير بين قلبها اللي بيحبني، وكرامتها اللي ادمرت. سكتت شوية، وبعدين قالت بصوت حاسم خالي من التردد لو عايزني أرجع يا يوسف.. الرجوع له تمن، ومش تمن قليل.
أؤمري يا سلمى.. كل اللي تطلبيه هيتنفذ، لو عايزاني أبيع الشقة، لو عايزاني أخرجك برة البلد كلها، أنا موافق!
أولًا..

شقة أهلك أنا مش هدخلها تاني أبدًا، ولا هشوف وش حد من إخواتك لا في فرح ولا في حزن.. مش هطلب منك تقاطعهم للأبد، لأن دي صلة رحمك وربنا يحاسبك عليها، بس حياتي أنا تكون خط أحمر بعيد عنهم تمامًا. موافق! رديت بلهفة من غير تفكير.
ثانيًا.. أمك، أنا مسامحاها لوجه الله عشان ست كبيرة ومريضة، وعشان هي أمك في الأول والآخر، بس مش هعيش معاها تحت سقف واحد تاني.. عايز تبرها وترعاها، هتروح تزورها وتخدمها بعيد عني، بيتي اللي هعيش فيه يكون ملكي لوحدي ومحدش له كلمة عليا فيه. حاضر.. من بكرة هدور على شقة إيجار في مكان تاني لحد ما نقدر نشتري، ومش هتدخلي البيت القديم تاني أبدًا.
ثالثًا.. وده الأهم يا يوسف.. سلمى بصتلي في عيني بنظرة تخلع القلب كرامتي اللي اتبعترت قدامهم إمبارح.. هتترد قدامهم هما نفسهم. حق الدهب اللي طارق خده يرجع، بس مش منك إنت.. يرجع من جيبه هو، ويسلمه لإيدي أنا، وأختك نهى اللي مدت إيدها عليا زمان، تعتذرلي رسمي قدام جوزها وعيلتها، عشان يعرفوا إن سلمى مش جاية من الشارع، وسلمى وراها راجل بجد! لو الشروط دي متحققتش، ورقة

طلاقي توصلي هنا، ويبقى كل واحد راح لحاله بالمعروف!
وقفت على حيلي، وبصيت في عينيها.. مكنش فيه أي مجال للمساومة، سلمى كانت بتخيرني بين إني أكون راجلها اللي بيحميها بجد، أو إني أكون مجرد ابن بار على حساب خراب بيته. الشروط دي كلها هتتنفذ يا سلمى.. بالحرف الواحد.. ومش هترجعي معايا غير وإنتي رافعة راسك للسما.
الساعة دقت تمانية ونص بالليل. كنت قاعد في صالة بيتي القديم، البيت كان هادي وضلمة، أمي كانت نايمة في أوضتها بعد ما أخدت علاجها ومهدئ.
الباب خبط، خبطات مترددة وضعيفة. قمت فتحت الباب، كان طارق واقف، ونهى ورا منه، وشوشهم كانت صفرا، ملامح الانكسار والغيظ واضحة عليهم.
طارق دخل من غير ما ينطق، ومد إيده بظرف بني تقيل، وحطه على الترابيزة دول تمن الدهب يا يوسف.. بسعر الجرام النهاردة.. سحبتهم من البنك وقرضت عليهم عشان أرتاح من تهديدك ووجع الدماغ ده!
بصيت للظرف بجمود، وممدتش إيدي عليه الفلوس دي مش بتاعتي عشان تديهالي.. الفلوس دي هتروح بيها برجلك لبيت حمايا في شبرا، وهتسلمها لسلمى في إيدها، وهتقولها حقك عليا يا أم الأصول.

نهى اتعصبت فجأة وصړخت بصوت واطي إنت اتجننت يا يوسف؟! عايزنا نروح لحد عندها في منطقتها الشعبية نعتذرلها؟! إحنا كبار العيلة نروح لبتاعة الشوارع دي نعتذر؟!
قربت من نهى خطوة واحدة، وصوتي طلع فحيح أرعبها بتاعـة الشوارع دي شرفها وأنضف منكم كلكم.. ولولاها كان أخوكي مرمي في السجن من سنتين، ولولاها كانت فضيحتك مع جوزك على كل لسان لما كان بتضربك وتستخبي في حضنها! هتروحي يا نهى.. هتروحي وتعتذري، وإلا ورب الكعبة اللي خلقني، بكرة الصبح جوزك هيكون عارف كل حاجة عن الفلوس اللي كنتي بتسرقيها من وراه وتديها لطارق، والورق اللي معايا هيمضي عليه!
نهى وشها اصفر وبدأت تترعش.. طارق مسكها من دراعها وقال بصوت مهزوم خلاص يا نهى.. خلاص.. يوسف اتعمى ومبقاش شايف غيرها، نمشي معاه للآخر ونخلص من القصة دي!
ركبنا العربيات، وسوقت قدامهم لحد شبرا. لما وصلنا، طلعتهم السلالم، وكان كل خطوة بطلعوها كأنهم طالعين على حبل المشنقة. خبطت على الباب، وفتحت والدة سلمى، ودخلنا.. سلمى كانت قاعدة في الصالة، لابسة وطالعة بأبهى صورة، قاعدة رافعة راسها بقوة

وكبرياء
عمري ما شوفته فيها قبل كده.
طارق وقف قدامها، وشه في الأرض، وحط الظرف على الترابيزة قدامها وقال بصوت واطي ومخنوق حقك.. تمن الدهب كامل.. وسامحينا لو كنا قصرنا معاكي في يوم.
سلمى مبصتش للظرف، بصت لنهى. نهى وقفت ثواني بتبلع ريقها بصعوبة، وبعدين غمضت عينيها وقالت بنبرة خالية من الروح أنا آسفة يا سلمى على كل كلمة طلعت مني.. حقك عليا.
سلمى فضلت ساكتة لمدة دقيقة كاملة، دقيقة كان السكوت فيها بيجلد كبريائهم المريض.. بعدها اتنفست بهدوء وقالت الفلوس دي حقي وخدته.. والاعتذار ده عشان يوسف يعرف أصله وإنه راجل ميرضاش بالظلم.. بس السماح، ربنا وحده هو اللي بيسامح على كسر الخواطر والافتراء. اتفضلوا، مفيش كلام تاني بيننا.
طارق ونهى خرجوا من الباب زي الفئران المبلولة، نزلوا السلالم يجروا ورا بعض مش قادرين يحطوا عينهم في عيني.
قفلت الباب وراهم، ولفيت لسلمى. سلمى بصت للظرف، وبعدين بصتلي أنا.. شفت في عينيها نظرة تانية خالص.. نظرة رضا، ونظرة أمان كانت مفقودة من سنين. وفيت بوعدك يا يوسف. ولسه هوفي بالباقي يا سلمى.. قربت منها ومسكت إيديها بكرة الصبح هنروح نتفرج على شقة في المعادي، بعيد عن المنطقة

وبعيد عن كل الذكريات دي.. بيت جديد، ونبدأ صفحة جديدة مع بعض، مفهاش غير أنا وإنتي وبس.
سلمى اتنهدت تنهيدة طويلة، وكأنها بتطرد خمس سنين من الهم والوجع من صدرها، وقالت بصوت هادي ورقيق وأمك يا يوسف؟ أمي على راسي.. هروح أزورها كل أسبوع، وأجيبلها طلباتها وأراعيها، بس في بيتها.. وانتي مش ملزمة بأي حاجة غير إنك تكوني مراتي وبس. سلمى ابتسمت، والدموع نزلت من عينيها، بس المرة دي كانت دموع راحة.. قربت مني وسندت راسها على كتفي وقالت كده أرجع معاك وأنا مطمنة.. كده عرفت إن ليا ضهر بجد.
بعد مرور ست شهور..
الشمس كانت داخلة من بلكونة شقتنا الجديدة في الدور الرابع، شمس دافية بتنور الصالة المفروشة بذوق سلمى البسيط والجميل. البيت كان هادي، ريحة القهوة والبخور مالية المكان، ومفيش أي صوت زعيق ولا نظرات غل.
كنت واقف في البلكونة بسقي الورد، وسلمى خرجت من المطبخ شايلة صينية الفطار، ملامحها كانت رجعت نضرة وجميلة زي أول يوم شوفتها فيه، والضحكة مبقتش تفارق وشها.
القهوة بتاعتك يا يوسف.. قالتها وهي بتحط الصينية على الترابيزة الصغيرة. قعدت جنبها، ومسكت إيدها وبوستها تسلم إيدك يا حبيبتي.. عاملة إيه النهاردة؟

والدكتور قال إيه في آخر كشف؟ سلمى حطت إيدها التانية على بطنها اللي بدأت تظهر عليها علامات الحمل في الشهر الرابع، وابتسمت بحب الدكتور بيقول كله تمام.. وإن شاء الله لما يجي، هيكون أسعد طفل في الدنيا عشان أبوه راجل بيعرف يحمي بيته ويصون كرامة أهله.
بصيت للسما وابتسمت، وحمدت ربنا في سري ألف مرة. الخناقة اللي حصلت زمان، ورمية الشبشب اللي كانت هتدمر حياتنا، كانت هي الصدمة الكهربائية اللي فوقتني من غيبوبتي.. علمتني إن الرجولة مش إنك تسمع كلام أهلك على عماك، ولا إنك تظلم مراتك عشان ترضيهم. الرجولة الحقيقية هي إنك تكون ميزان العدل، تبر أمك من غير ما تكسر شريكة حياتك، وتحط حدود لكل واحد في الدنيا عند كرامة بيتك.
طارق ونهى علاقتي بهم بقت رسمية جدًا ومقتصرة على السلام في الأعياد، وأمي بقت بتعامل سلمى بكل احترام وأدب لما بنتكلم في التليفون، وعرفت إن البيت ده له سور عالي مبيتكسرش.
مسكت فنجان القهوة، وبصيت لسلمى اللي كانت بتضحك وهي بتوريني هدوم البيبي الجديدة،
وعرفت وقتها إن الحياة ساعات بتديك قلم قاسي، مش عشان تقع.. عشان بس تفوق، وتعرف مين اللي يستاهل تحارب عشانه لآخر نفس في عمرك.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى