قصص و روايات

صراع العائلة

طارق من ورايا، كأنه حس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه وسلطته على البيت بتنتهي، اتكلم بصوت فحيح ومليان غل
ما هو ده اللي إنتي عايزاه يا ست سلمى، صح؟! عايزة تقلبي البيت حريقة وتفرقي الإخوات عن بعض وتطلعي إنتي الملايكة وإحنا الشياطين! ماشي يا يوسف.. وطّي وبوس رجلين مراتك، بس اعمل حسابك، الباب اللي تخرج منه الست دي هيفضل مقفول في وشك إنت كمان.. اختار دلوقتي، يا تخرج معاها وتنسى إنك ليك عيلة، يا تقف مع إخواتك وتنهي المهزلة دي وتطلّقها رسمي!
لفيت لطارق.. ووقفت على طولي.
الراجل اللي كان جوايا زمان، اللي كان بيخاف على زعل إخواته وبيدوس على نفسه وعلي بيته عشان يرضيهم، ماټ في اللحظة دي.. بصيتله في عينه بجمود مكنش متعود عليه مني، وقولتله بصوت هادي ومرعب من كتر الهدوء
اخرج برة بيتي يا طارق.
طارق عينيه وسعت بصدمة
إنت بتقول إيه؟! بتطردني عشان دي؟!
اخرج برة بيتي، إنت وأختك.. دلوقتي، ومش عايز أشوف وشكم هنا تاني لحد ما أعرف هحاسبكم إزاي على كل قرش وكل إهانة وجهتوها لمراتي في غيابي!
نهى شهقت وحطت إيدها على صدرها
بتطردنا يا يوسف؟! بتبيع إخواتك؟!
أنا مبعتش حد.. إنتوا اللي بعتوني وبعتوا شرفي وكرامتي من سنين يوم ما هنتوا مراتي في بيتي وكسرتوا نفسها.. اطلعوا برة!
طارق بصلي بحقد وبص لأمي، بس أمي كانت مديرة وشها الناحية التانية ومش راضية تبصله.. طارق نفخ بغيظ وقال
ماشي يا يوسف.. هتدور الدايرة وتجيلنا راكع، وهنشوف الست دي هتعملك إيه لما تلاقي نفسك لوحدك في الدنيا!
وسحب أخته من دراعها، وخرجوا ورزعوا الباب وراهم رقعة هزت جدران الشقة.
الصمت رجع تاني.. بس المرة دي، كان صمت

مليان وجع وحيرة مش عارفين نهايتها إيه. أمي كانت قاعدة تبكي بصوت مكتوم، وأنا واقف مكاني، حاسس إني كبرت عشرين سنة في الدايقين دول.
بصيت لسلمى، لقيتها وقفت، ومسكت شنطتها تاني، وخطت خطوة ناحية باب الشقة.
اتخضيت وجريت عليها، وقفت قدام الباب ومنعتها
رايحة فين يا سلمى؟! أنا طردتهم خلاص.. والحق كله ليكي، والبيت ده بيتك ومحدش هيقدر يمس شعرة منك بعد النهاردة!
سلمى رفعت عينيها في عيني، ولأول مرة أشوف في نظرتها برود وجفاف خلاني أترعب أكتر من عصبيتها.. هزت راسها بالراحة وقالت
طردهم مش هيمسح اللي حصل يا يوسف.. وكونك عرفت الحقيقة النهاردة ده جه متأخر أوي.. أنا اتكسرت هنا كتير، ومش قادرة أتنفس في البيت ده خلاص.
طب وأنا؟! أنا ذنبي إيه يا سلمى؟! أنا مكنتش أعرف والله ما كنت أعرف!
ابتسمت بمرارة وقالت
ذنبك إنك مكنتش عايز تشوف يا
يوسف.. ذنبك إنك صدقت فيا الوحاشة وسكت لما اتهانت كرامتي إمبارح، وجريت تراضيهم هما قبلي.. أنا محتاجة أبعد، ومحتاجة أعرف إذا كان اللي بينا ده كان حب فعلًا.. ولا كنت مجرد جدار بيحميكم من بعض!
مسكت أوكرة الباب وفتحته، وأمي نادت عليها بصوت باكي
هترجعي يا سلمى؟! سامحيني يا بنتي والله الشيطان كان عاميني!
سلمى وقفت عند العتبة، بصت لأمي نظرة طويلة ملهاش معنى واضح، وبعدين بصتلي أنا.. وقالت جملة واحدة قبل ما تنزل وتخلّي الشقة تضيق بيا كأنها قبر
اللي اتكسر بيننا مبقاش مجرد خناقة يا يوسف.. اللي اتكسر أكبر من إني أسامح فيه دلوقتي، ولو عايزني أرجع.. هتدفع تمن غيابك عني غالي أوي!
نزلت السلالم، وصوت خطواتها كان بيتباعد، وأنا واقف على الباب مش قادر حتى أتحرك ألحقها، وعارف إن اللي جاي مش مجرد محاولة صلح.. دي بداية معركة تانية خالص، يا إما هترجعلي مراتي.. يا إما هكون خسرت كل حاجة بجد!
صوت قفلة باب العمارة تحت رنّ في ودني زي طلقة رصاص.
فضلت واقف على عتبة باب الشقة المفتوح، باصص على بير السلم الضلمة، ودقات قلبي بتدق في صدري برعب حقيقي.. لأول مرة من خمس سنين، أحس إن البيت فضي من روحه، وإن السكوت اللي مالي الحيطان مش راحة، ده موت بطيء.
قفلت الباب بضهر إيدي، وسندت عليه وأنا بنزل على الأرض بالراحة لحد ما قعدت، ودفنت راسي بين ركبي. الأفكار كانت بتطحن في دماغي طحن.. ازاي كنت أعمى كده؟ ازاي البني آدم يقنع نفسه إنه عادل وحكيم، وهو في الحقيقة كان أكبر ظالم للإنسانة الوحيدة اللي أمنته على نفسها وعمرها؟!
صوت كحة أمي المكتومة

قطعت السكوت.. رفعت راسي، لقيتها لسه قاعدة على الكنبة، ضهرها محني، ووشها دبلان، كأنها في الساعة دي كبرت عشرين سنة فوق عمرها.
قربت منها بخطوات تقيلة، وقعدت تحت رجليها في الأرض. مسكت إيديها اللي بتترعش، وبصيت في عينيها وسألتها بصوت مخنوق ليه يا أمي؟ ليه مقولتليش من أول يوم؟ ليه سيبتيني أعيش السنين دي كلها وأنا حاسس إن سلمى هي اللي بتنكد علينا، وإنكم انتوا المظلومين؟! ده طارق ده كان بياخد مني فلوس ويقولي بمشي أموري، وفي نفس الوقت واكل دهب مراتي وذاللها بيه! وأختي.. أختي اللي كنت بقطع من لحمي عشان أراضيها في كل مشكلة مع جوزها، تمد إيدها على مراتي في بيتي وأنا مش هنا؟!
أمي دموعها نزلت سخنة على إيديا، ومسحت على راسي بصوت باكي الخوف يا يوسف.. الخوف والغيرة عموا عيني وعموا قلبي. أول ما اتجوزت، حسيت إنك بعدت، وإنك بقيت ملك لواحدة تانية. ولادك لما بيكبروا ويتجوزوا، الشيطان بيوسوس للأم إن مرات الابن دي غريبة جاية تاخد شقا عمرها. طارق ونهى كانوا عارفين النقطة دي فيا، فكانوا يملوا وداني عليها، وأنا أصدق عشان أريح غيظي. بس ورب العرش يا ابني، كل مرة كنت أظلمها فيها، كانت سلمى تصغرني بأصلها.. عمري ما شوفت منها قلة أدب ولا طول لسان، لحد إمبارح.. إمبارح أنا اللي دوست على كرامتها بالجزمة لما عيرتها بأبوها الميت، وهي كان لسه في جيبها علبة دوا جايباهالي بفلوس كانت محوشاها لنفسها!
كلام أمي كان زي مية نار بتتكب على جرحي. وقفت على حيلي والدم غلي في عروقي.. الحزن والندم اتقلبوا فجأة لغضب عارم، غضب مش هيهدى غير لما كل واحد في العيلة دي يدفع تمن الظلم اللي ارتكبه.
مسكت تليفوني، وطلبت رقم طارق. الخط رن مرتين وفتح، وصوته طلع متعجرف وفيه نبرة شماتة أيوة يا يوسف، لحقت ترجع لعقلك وعرفت إن ملكش غير إخواتك، ولا لسه الست دي مسيطرة عليك؟
طارق.. صوتي طلع هادي، هدوء ما قبل العاصفة الدهب اللي خدته من سلمى، تمنه يرجع لحد عندي الليلة دي. كل مليم خبيته وسرقته من مراتي بحجة علاج أمك، هيكون محطوط على ترابيزة الصالة قبل ما الفجر يطلع.
طارق ضحك ضحكة صفرا مستفزة دهب إيه وكلام فارغ إيه؟! إنت صدقت التخاريف دي؟ أمك كبرت وخرفت، وأنا مخدتش من مراتك شلن! ولو كان حصل، فده كان كرم أخلاق منها لأهل جوزها، ملكش عندي حاجة يا يوسف، ووريني هتعمل إيه!
اللي هعمله؟ قاطعت كلامه ببرود قاطع المحل بتاعك اللي في سوق الجملة، مش أنا اللي ماضي على شيكات البضاعة بتاعته بضمانتي في البنك؟ والتوكيل اللي إنت عاملهولي

عشان أخلص بيه أوراق السجل التجاري بتاعك؟
بكرة الصبح، الشيكات دي هتروح للنيابة، والضمانة هسحبها، والتجارة اللي فرحان بيها دي كلها هقفلها بالشمع الأحمر وأرميك في السجن اللي سلمى باعت دهبها زمان عشان تحميك منه! ورب العزة يا طارق، لو الدهب ده مرجعش حقه كاش الليلة دي، لكون مفرّج عليك أصحاب الديون كلهم وفاتح دفاترنا القديمة في القسم!
طارق صوته اتخنق، النبرة المتعجرفة اختفت تمامًا وحل مكانها رعب إنت اتجننت يا يوسف؟! هتحبس أخوك الكبير عشان خاطر حتة دهب؟!
أخويا الكبير مات يوم ما سرق مراتي وذلها وخرب بيتي.. قدامك لحد الساعة تسعة بالليل، وإلا الصبح مش هتلاقي محلك مفتوح!
قفلت السكة في وشه، وبصيت لأمي، لقيتها باصة في الأرض ومش قادرة تنطق، عارفة إن الحق واضح وإن السيل وصل الزبى.
بعدها، بعتت رسالة واحدة على جروب العيلة اللي مجمع كل إخواتي، بما فيهم نهى وجوزها كل واحد فيكم مد إيده أو لسانه على مراتي في غيابي، معتبرش نفسه أخويا ولا يلزمني، وعلاقتي بيكم انتهت لحد ما سلمى هي اللي تختار تسامحكم أو تدوس عليكم.. واللي هيفكر يقرب من باب بيتي أو يعتب شقتي

تاني، مش هيرجع على رجليه.
رميت التليفون، ولبست جاكتي بسرعة. أمي بصتلي بخوف وقالت رايح فين يا بني في نص النهار كده؟! رايح أصلح الخراب اللي سيبته يكبر خمس سنين يا أمي.. ادعيلي إنها توافق بس تبص في وشي!
نزلت الشارع، الشمس كانت حامية، بس صدري كان فيه تلج من كتر القلق. ركبت عربيتي وسوقت في اتجاه بيت حمايا في شبرا.. المنطقة الشعبية البسيطة اللي طلعت منها سلمى، الناس اللي أبوها كان راجل على باب الله، بياع خضار بسيط، علم بناته الأدب وعزة النفس قبل ما يموت ويسيبهم من غير ضهر غير ربنا.
افتكرت يوم ما روحت أخطبها، أبوها الله يرحمه قعد معايا على قهوة، وحط إيده في إيدي وقالي يا يوسف، إحنا ناس فقرا بس شبعانين كرامة.. بنتي دي عندي بالدنيا كلها، لو في يوم حسيت إنك مش قادر تسعدها أو تصونها، هاتها في إيدك ورجعهالي على باب بيتي معززة مكرمة، بس متكسرش نفسها ولا تخلّي حد يستقوى عليها. الكلمات دي كانت بتتردد في ودني، وكأن روحه واقفة قدامي دلوقتي وبتعاتبني عملت إيه في الأمانة يا يوسف؟
وصلت تحت البيت القديم.. طلعت السلالم

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى