
لازم تحجز تذكرة طيران في أقرب رحلة، وتوصل مع أبوها، وتبدأ الإجراءات الطبية قبل ما تضيع الفرصة. وبعد حسابات كتير، اكتشفت إن أرخص حل هو إنها تسافر بالطيران، لأن الرحلة البرية هتستغرق وقت طويل، وحالة أبوها مكنتش تسمح بالتأخير.
حجزت التذكرة المتاحة بأقل سعر، وبدأت تجهز الأوراق الطبية، وتحط التقارير والتحاليل في ملف صغير. كانت بتتحرك كأنها آلة، من غير ما تفكر في إنها محتاجة تنام أو تاكل. كل اللي كان في دماغها إنها لازم تلحق أبوها.
وفي صباح يوم السفر، وصلت المطار وهي شايلة شنطة ظهر صغيرة، وفي إيدها ملف المستندات الطبية. كانت عينيها حمرا من السهر، ووشها شاحب، وخطواتها بطيئة. وقفت عند بوابة الصعود للطائرة، وبصت على الموبايل علشان تتأكد من رقم الرحلة للمرة العاشرة.
وبصوت واطي، قالت لنفسها يا رب، بس خليني أوصل في الوقت المناسب. أنا مش عايزة من الدنيا أي حاجة غير إن بابا يقوم بالسلامة. مكانتش تعرف إن الدعوة دي هتكون بداية سلسلة أحداث محدش كان ممكن يتوقعها.
لأن الراجل اللي كانت هتقعد جنبه في الطيارة، كان يقدر يدفع تكاليف علاج مستشفى كاملة من غير ما يحس إن المبلغ أثّر في ثروته! لكن في الوقت نفسه، كان راجل الناس بتخاف منه أكتر ما بتحترمه.
كان من أغنى الشخصيات في المدينة، صاحب شركات ضخمة وعقارات وفنادق ومشروعات في أكتر من دولة. اسمه كان بيتردد في اجتماعات كبار رجال الأعمال، وقراراته كانت بتغير مصير شركات كاملة. كان في أواخر الثلاثينات من عمره، طويل القامة، عريض الكتفين، وملامحه حادة بتخلي اللي قدامه يحس إنه بيتحقق معاه حتى لو الشيخ مقلش ولا كلمة.
كان دايمًا بيلبس بدل فاخرة متفصلة مخصوص، وساعته لوحدها كانت تساوي ثروة بالنسبة لأي شخص عادي. لكن أكتر حاجة كانت بتميزه مش فلوسه ولا نفوذه. كانت شخصيته. راجل قليل الكلام، شديد في قراراته، ومبيحبش حد يتجاوز حدوده معاه.
لو موظف أخطأ في شغله، كان بيحاسبه من غير مجاملة. ولو شريك في مشروع حاول يخدعه، كان بيقطع علاقته بيه نهائيًا. ومع مرور السنين، اتكونت حواليه سمعة مخيفة. في ناس قالت إنه عمره ما بيسامح. وناس تانية قالت إن قلبه اتقفل من زمان، وإنه مبقاش يثق في أي إنسان.
أما اللي اشتغلوا معاه عن قرب، فكانوا بيحكوا إنه يقدر يكتشف الكذب من نبرة الصوت، وأنه مش من النوع اللي ممكن حد يستعطفه بسهولة. كان عنده حارسين شخصيين بيرافقوه في كل تحركاته تقريبًا، خصوصًا في السفر.
وكانوا عارفين طباعه كويس، وعارفين إن أهم قاعدة عندهم هي إن محدش يقرب منه أو يتعامل معاه من غير إذنه. وفي صباح اليوم ده، كان الشيخ راشد مسافر على نفس الرحلة اللي حجزت فيها إيما. كان عنده اجتماع مهم في المدينة التانية، وكان المفروض يقابل مجموعة من المستثمرين فور وصوله.
دخل الطيارة بخطوات ثابتة، وخلفه حارسين من فريق الحراسة الخاص بيه. أفراد طاقم الطائرة رحبوا بيه باحترام واضح، وبعض الركاب اللي عرفوه بصوا لبعض وهم بيتهامسوا. واحد من الرجال اللي قاعدين في درجة رجال الأعمال همس لزوجته ده الشيخ راشد بنفسه!
زوجته بصت ناحيته بسرعة، وبعدها رجعت عدلت قعدتها وسكتت. الاسم كان معروف عند ناس كتير، خصوصًا رجال الأعمال وأصحاب الشركات الكبيرة. الشيخ راشد وصل لمقعده عند الشباك، وقعد بهدوء، وفتح ملف على جهازه اللوحي، بينما الحارسين قعدوا في الصف المقابل على الناحية التانية من الممر.
كان مستغرق في مراجعة أوراق الاجتماع، ومش مهتم بالركاب اللي حواليه. وبعد دقائق، ظهرت إيما عند الصف بتاعه. كانت بتراجع رقم المقعد على التذكرة، ولما وصلت، اكتشفت إن مكانها جنب الشباك، وإن الراجل اللي قاعد في المقعد المجاور للممر هو اللي قدامها مباشرة في الصف.
اعتذرت له بهدوء علشان تعدي، وحطت شنطتها تحت الكرسي. آسفة، ممكن أعدي؟ الشيخ راشد رفع عينيه للحظة، وأشار لها إنها تعدي من غير ما يقول حاجة. إيما قعدت مكانها، وربطت حزام الأمان، وحاولت تظبط وضعية جسمها علشان ترتاح.
مكنتش مهتمة تعرف هو مين، ولا لاحظت الحراس اللي قاعدين قدامها، ولا حتى انتبهت لنظرات بعض الركاب اللي كانوا بيبصوا ناحية الشيخ راشد. كل اللي كانت حاسة بيه هو إن جسمها خلاص مبقاش قادر يتحمل. حطت إيديها على شنطتها الصغيرة، وغمضت عينيها.
بدأت الطيارة تتحرك على المدرج، وبعدها ارتفعت تدريجيًا في السما. الشيخ راشد كان لسه بيقرأ المستندات، وبيكتب ملاحظات على جهازه اللوحي. أما إيما، فكانت دخلت في نوم عميق من أول الدقايق. كانت مرهقة لدرجة إنها مكنتش حاسة بصوت المحركات، ولا بحركة الركاب، ولا حتى بإعلان المضيفة عن بداية الرحلة.
وبعد فترة قصيرة، الطيارة دخلت منطقة فيها اضطرابات هوائية بسيطة. جسم إيما اتحرك مع اهتزاز الطيارة، وراسها مالت ناحية اليمين من غير ما تحس. وفي لحظة واحدة استقرت راسها على كتف الشيخ راشد. الحركة كانت عفوية تمامًا. إيما مكانتش قاصدة تقرب منه، ولا كانت عارفة حتى إنها سندت عليه.
لكن الشيخ راشد حس بوزن راسها على كتفه، فرفع عينيه عن الجهاز ببطء. بص ناحيتها. في البداية، افتكر إنها هتصحى في نفس اللحظة وتعتذر، زي ما بيحصل عادة لما حد يلمس شخص غريب بالخطأ. لكنه اكتشف إنها نايمة بعمق شديد.
ملامحها كانت مرهقة، وشها شاحب، وإيديها متشابكة فوق شنطتها كأنها حتى وهي نايمة خايفة تضيع منها الحاجة الوحيدة اللي معاها. الشيخ راشد فضل ساكت لثواني. وفي اللحظة دي، واحد من الحارسين لمح اللي حصل. قام من مكانه فورًا.
كان عارف إن الشيخ راشد مش بيحب حد يتجاوز مساحته الشخصية، حتى لو كانت مجرد حركة بسيطة من غير قصد. اقترب من الممر، وخفض صوته سيدي، تسمح لي أبعدها عن حضرتك؟ الحارس التاني قام هو كمان، ومستعد يتدخل لو اتطلب منه.
بعض الركاب لاحظوا الحركة، وبدأوا يبصوا ناحية المقعد. كانوا متوقعين إن الشيخ راشد يبعد البنت بعصبية، أو يصحيها بطريقة تخليها تحس بإحراج شديد. لكن اللي حصل كان مختلف تمامًا. الشيخ راشد رفع إيده بهدوء، من غير ما يبعد كتفها عنه، وقال بصوت منخفض لكنه حاسم محدش يلمسها.
الحارس وقف مكانه. لكن يا سيدي، هي الشيخ راشد رفع عينيه ناحيته. نظرة واحدة كانت كفاية تخليه يسكت فورًا. قلت محدش يلمسها. رجع الحارسان لمكانهما، وهما بيتبادلوا نظرات الاستغراب. أما الركاب اللي كانوا متابعين الموقف، فبقوا مش فاهمين حاجة.




