
فتحت الموبايل وبدأت أراجع سجل المكالمات.
اكتشفت إن آخر مكالمة فيديو بينا كانت من 23 يوم!
يعني بقالها 23 يوم ما اتصلتش بيا من نفسها.
وكل مرة أنا اللي كنت بتصل بيها، يا إما ألاقي تليفونها مشغول، يا إما تقول لي إنها مشغولة ومش قادرة تتكلم.
وفي مرتين، جوزها هو اللي رد عليّا.
مرة قال لي إن سارة بتاخد دش، ومرة تانية قال إنها نزلت تجري.
وقتها ما شكّتش في أي حاجة.
لكن دلوقتي، لما بدأت أربط كل التفاصيل ببعضها، حسيت بمغص شديد في بطني، وكأن قلبي بيعصر نفسه من الألم.
بعد شوية، الدكتور خرج تاني وقال إنهم محتاجين يعملوا فحوصات إضافية عشان يحددوا سبب الغياب، لكن لازم موافقة أهل المتوفاة.
لسه كنت هتكلم، لقيت طنط نادية سبقتني وقالت:
هو إيه اللي لسه هتفحصوه؟ البنت غابت خلاص! مش كفاية اللي حصل لها؟ عايزين تفضلوا تتعبوها أكتر من كده؟
لفيت وشي ناحيتها وبصيت لها.
كانت عاملة نفسها حزينة جدًا، وعينيها حمرا من العياط.
لكن أنا فضلت أبصلها كويس.
ما شفتش في عينيها دموع حقيقية.
ولا حتى دمعة واحدة!
02
لما أخويا وصل المستشفى، كانت الساعة بقت تسعة بالليل.
إضاءة الطرقة كانت بيضا وقوية، لكنها كانت بتزود المكان برودة ووحشة.
وسارة لسه موجودة في غرفة الطوارئ.
أول ما أخويا وصل، دخل يشوف بنتي بنفسه.
ولما خرج، ملامح وشه كانت متغيرة تمامًا.
قرب مني وقال بصوت واطي:
إيه اللي حصل يا أختي؟ سارة لونها مش طبيعي خالص.
هزيت راسي وقلت له:
أنا كمان حاسة إن فيه حاجة غلط.
سكت لحظة، وبعدها سألني:
إنتِ بلغتي الشرطة؟
قلت له:
لأ، لسه.
قال لي:
استني شوية، أنا هتكلم مع جوزها الأول وأفهم منه كل حاجة.
راح ناحية جوز بنتي وبدأ يسأله عن تفاصيل اليوم من أوله لآخره.
كان عايز يعرف إيه اللي حصل من أول ما صحيوا الصبح لحد ما سارة دخلت المستشفى.
جوزها حكى نفس الكلام تقريبًا اللي قاله لي.
لكن فيه تفصيلة واحدة اتغيرت.
لما كلمني أنا أول مرة، قال إنه خرج يشتري أكل.
لكن لما أخويا سأله، قال إنه خرج يشتري دوا!
الأكل والدوا مش حاجة واحدة، والفرق بينهم كبير جدًا.
أخويا ما واجهوش بالتناقض، لكنه رجع وبص لي نظرة واحدة.
وفهمت من نظراته إنه خد باله من نفس الحاجة اللي أنا لاحظتها.
في اللحظة دي، طنط نادية رجعت تاني ومعاها والد جوز بنتي.
وقفوا هما الاتنين قدامنا، ووالد جوزها كان كل شوية يتنهد ويهز راسه بحزن مصطنع.
قال لي:
يا أم سارة، إحنا نفسنا مش قادرين نستوعب اللي حصل. الموضوع جه فجأة، وإحنا مصدومين زيكم بالظبط.
وبعدها كمل:
بس اللي راح راح، ولازم نعمل اللي علينا عشان نكرمها ونودعها. مش كده؟
ما رديتش عليه.
لكنه كمل كلامه:
إنتِ عارفة كويس سارة كانت غالية علينا قد إيه، وعلاقتها بينا كانت عاملة إزاي. وكمان عارفة إن كريم كان بيعاملها كويس جدًا، وإنتِ بنفسك شوفتي ده.
وبعدها قال بنبرة مستعجلة:
أنا شايف إننا نخلص إجراءات العزاء والوداع في أسرع وقت. ما ينفعش نسيب البنت كده في المستشفى أكتر من اللازم.
أخويا ما قدرش يسكت المرة دي، وقال له:
مستعجلين على إيه بالظبط؟ هو إحنا عرفنا سبب الغياب أصلًا؟
طنط نادية بصت له بضيق وقالت:
دي حاجة تخص بيتنا وإحنا أهلها، إنت مالك؟ إنت مش من أهل البيت عشان تتدخل في كل حاجة.
أخويا رد عليها بثبات:
أنا خالها، وأقرب لها من ناس كتير واقفين هنا. ومن حقي أعرف بنت أختي غابت إزاي.
طنط نادية سكتت فورًا.
أنا قمت من مكاني وبصيت لجوز بنتي وقلت له:
يا كريم، ممكن تفهمني العلامات اللي على جسم سارة دي سببها إيه؟
رفع عينيه ناحيتي، وكانت عينيه لسه حمرا، وقال:
يا ماما أنا شرحت لحضرتك. سارة كانت بتخس بسرعة وجسمها بقى ضعيف، وأي خبطة بسيطة كانت بتسيب علامة.
سألته تاني:
طيب والزرقة اللي في وشها وشفايفها؟
رد بسرعة:
دي بسبب الأنيميا. سارة عندها أنيميا من زمان، وأنا كنت دايمًا بقول لها تاكل كويس وتبطل الرجيم القاسي ده.
كان بيتكلم، لكن إيده ما كانتش ثابتة.
صوابعه كانت بتترعش بشكل ملحوظ.
مش عارفة إذا كان ده بسبب حزنه على مراته، ولا بسبب حاجة تانية خالص.
والده تدخل في الكلام وقال:
يا أم سارة، إحنا مقدرين وجعك، وإحنا كمان بنتنا راحت مننا، وسارة كانت زي بنتنا بالظبط.
وبعدها أضاف:
لكن البنت خلاص غابت، وإيه الفايدة إننا نفضل نعمل فحوصات ونقلب في الموضوع؟
ممكن نطلع من كل ده من غير ما نعرف حاجة، وفي الآخر نكون عطّلنا وداعها على الفاضي. وساعتها
قاطعته قبل ما يكمل وقلت له:
يعني إيه ممكن ما نعرفش حاجة؟
وبصيت له بعينين مليانين غضب وألم:
بنتي عندها 28 سنة! عمرها ما كانت بتشتكي من أي مرض خطير، وما عندهاش أي أمراض مزمنة. وفجأة في 4 شهور تخس 17 كيلو، وبعدها تغيب بالشكل ده ومن غير سبب واضح!
إنت بتطلب مني أسكت وما أعرفش بنتي غابت إزاي؟!
الطرقة كلها سكتت.
حتى الناس اللي كانوا واقفين بعيد بطلوا يتكلموا.
طنط نادية قربت مني تاني، والمرة دي حاولت تتكلم بنبرة أهدى.
قالت:
يا أم سارة، أنا عارفة إن قلبك محروق عليها، وربنا وحده عالم بالوجع اللي إنتِ فيه. بس افتكري إن سارة دلوقتي في مكان أحسن، وأكيد مش هترضى تشوفك بتتعبي نفسك بالشكل ده.
وبعدها مسكت إيدي وقالت:
خلينا نخلص إجراءات الوداع بسرعة، عشان البنت ترتاح. ربنا يرحمها ويجعل مثواها الجنة.
فضلت باصة لوشها.
نفس التعبيرات، ونفس نبرة الحزن، ونفس النظرات اللي بتحاول تبين إنها مكسورة على فراق بنتي.
لكن أنا كنت قاعدة في المستشفى بقالى أكتر من خمس ساعات، وما شفتهاش مرة واحدة بتنزل دمعة حقيقية.
ولا حتى دمعة واحدة!
لفيت وشي ناحية كريم، لقيته موطي راسه، وبيفرك صوابعه في بعض بتوتر.
كان بيفرك ضفر إبهامه في مفصل صباعه الصغير، ويكرر الحركة دي كل شوية.
افتكرت وقتها إن سارة كانت حكت لي قبل كده عن العادة دي.
كانت بتضحك وتقول لي:
ماما، كريم أول ما بيتوتر أو يقلق، تلاقيه بيفرك صوابعه في بعض.
باصة لإيده وهو بيكرر نفس الحركة.
وفي اللحظة دي، بدأ إحساسي بالقلق يزيد أكتر وأكتر.
لأن كل حاجة حواليا كانت بتقول إن غياب بنتي مش طبيعي، وإن فيه سر كبير الكل بيحاول يدفنه معاها!
الجزء الثالث السر اللي كان مستخبي في تليفون بنتي
فضلت واقفة في مكاني، عيني متعلقة بإيد كريم وهو بيفرك صوابعه بتوتر.
كنت عارفة الحركة دي كويس، وعارفة إن سارة ما كانتش بتقول الكلام ده من فراغ. لكن في نفس الوقت، ما كنتش عايزة أظلمه لمجرد إنه متوتر بعد غياب مراته.
أخويا قرب مني وهمس:
إحنا لازم نتصرف بحكمة. ما ينفعش نواجه حد قبل ما نعرف الحقيقة.
هزيت راسي وقلت له:
أنا مش عايزة أتهم حد ظلم، بس أنا قلبي مش مطمن. فيه حاجة حصلت لبنتي، وأنا مش هسيب حقها يضيع.
أخويا راح للدكتور وطلب منه يوقف أي إجراءات تخص خروج الجثمان لحد ما يتم إبلاغ الشرطة ومعرفة سبب الغياب.
الدكتور وافق، وقال إن الحالة بالفعل محتاجة تحقيق طبي دقيق، خصوصًا مع وجود علامات متعددة، وفقدان وزن كبير خلال فترة قصيرة، وعدم وضوح سبب الغياب.
أول ما حمات بنتي سمعت الكلام ده، اتغير وشها.
قربت من أخويا وقالت بعصبية:
إنتوا ناويين تعملوا إيه بالظبط؟ هو إحنا هنفضل محبوسين هنا لحد إمتى؟
أخويا رد بهدوء:
لحد ما نعرف بنت أختي غابت إزاي.
قالت وهي بتبص لي:
يا أم سارة، إنتِ موافقة على اللي أخوكي بيعمله ده؟ ده كده كأنكم بتتهموا ابننا!
بصيت لها وقلت:
أنا مش باتهم حد. أنا بطلب أعرف سبب غياب بنتي. ولو ابنك مالوش ذنب، التحقيق هيظهر ده.
كريم رفع راسه بسرعة وقال:




