قصص و روايات

البيت ليس لي حكايات منى السيد

كل مرة أنزل المطبخ، ألاقي حماتي عارفة إحنا صحينا إمتى، ونمنا إمتى، وحتى عرفِت مرة إننا خرجنا بالليل رغم إنها ما شافتناش.

في الأول قلت يمكن صدفة.

لكن الصدف لما بتتكرر… بتبطل تبقى صدف.

في يوم سألت جوزي بهدوء: “هو… مامتك معاها مفاتيح البيت كلها؟”

اتردد ثانية، وبعدين قال: “آه… من زمان.”

سألته: “حتى أوضة النوم؟”

نزل بعينه في الأرض، وقال: “المفتاح كان موجود مع كل المفاتيح… عمرنا ما فكرنا ناخده منها.”

الكلمة دي خوفتني.

عمرنا.

يعني بالنسبة له، الموضوع عادي.

بدأت أحس إني ضيفة في بيتي، وإن أي لحظة ممكن الباب يتفتح من غير استئذان.

بقيت أسمع أي صوت في الطرقة، قلبي يدق.

وبقيت أخاف أبدل هدومي إلا بعد ما أتأكد إن الباب متقفل… وأرجع أفتكر إن القفل نفسه ممكن يتفتح في ثانية.

لكن اللي خلاني أتأكد إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد قلة خصوصية… حصل بعد أسبوع.

كنت خارجة من الأوضة بالصدفة، ولقيت حماتي واقفة قدام بابنا… ماسكة سلسلة مفاتيح كبيرة في إيدها.

أول ما شافتني، خبّت المفاتيح بسرعة وابتسمت ابتسامة غريبة.

وقالت جملة واحدة…

جملة خلت الدم يتجمد في عروقي، لأن ساعتها عرفت إن دخولها علينا يومها… ماكنش صدفة أصلًا.

الفصل الثاني: سلسلة المفاتيح
الدم نشف في عروقي، وحسيت إن الحيطان اللي حواليا بتميل وتقفل عليا. الابتسامة الغريبة اللي رسمتها على وشها وهي بتخبي المفاتيح ورا ضهرها كانت أغرب بكتير من أي كلام ممكن تقوله.

قربت مني بخطوات هادية، كأنها مش عاملة مصيبة، وبصتلي من فوق لتحت وقالت بصوت واطي ومليان سم متغلف بالدلع المصطنع:
“إيه يا عروسة؟ واقفة كده ليه؟ كنتِ بتبصي على إيه؟ اصل أصلًا الكالون بتاع الباب ده قديم، وكنت جايبة السباك يشوفه عشان أطمن عليكم.. اصل أنتم شباب وبتنسوا تقفلوا كويس بالليل، وأنا بخاف عليكم.”

خلصت الجملة، وسابتني واقفة مكاني زي المضروبة على دماغي.

السباك؟ كالون قديم؟ وهي من امتى أصلًا بتهتم إذا كنا بنقفل ولا لأ؟ الكلام كان متفصل وجاهز، بس الحقيقة كانت أبشع بكتير من إنها تتداري بكلمتين. هي ما كانتش بتصلح الكالون.. هي كانت بتعمل جولة تفقدية، وربنا وحده عالم هي دخلت أوضتنا كام مرة وأنا مش موجودة، أو فتحت درابين ايه، أو صوّرت ايه بعينها عشان تيجي بعد كده تحاسبنا على الصغيرة والكبيرة.

طلعت تجري على جوزي.. دخلت الأوضة ولقيته قاعد على السرير بيلعب في تليفونه، كأن اللي بره دي جارة معدية مش أمه اللي بتقتحم حياتنا بالماستركي.

قلت بصوت متهدج ودموعي على أطراف عيني:
“امتك.. امتِك كانت بره دلوقتِ حالا، وماسكة المفاتيح كلها في إيدها، وبتبرر بتقول ايه؟ بتقول بتصلح الكالون!”

بص لي بملل، ونزل تليفونه ببطء وقال:
“يا حبيبتي ما احنا اتكلمنا في الموضوع ده امبارح.. مامي طيبة وعايزة تطمن، انتي ليه مصممة تكبري الحكاية وتعملي من الحبة قبة؟”

أكبر الحكاية؟! صرخت بصوت شبه مكتوم من كتر القهر. “يا بني آدم امتِك فتحت عليا باب أوضة نومي وأنا مراتي على ذمتك! امتِك شايفة إننا ما نملكش شبر خصوصية في البيت ده! انت ازاي بارد كده؟ ازاي مستمر في دور إن أنا اللي مجنونة وبكبر الموضوع؟”

وقف وعلي صوته هو كمان، ودي كانت أول مرة يعلي صوته عليا بالشكل ده من يوم ما اتجوزنا:
“صوتك ما يعلاش! وما تجيبش سيرة أمي بالطريقة دي فاهمة؟ أمي ربّت وتعبت، والبيت ده أصلًا بتاعها، وإحنا قاعدين فيه، يعني فكرة إنك تحسسينا إنها دخيلة دي حاجة أنا ما أقبلهاش!”

الكلمة دي نزلت على قلبي زي طلقات الرصاص.

البيت ده أصلاً بتاعها..

جملة واحدة هدمت كل الحلم الوردي اللي كنت ببنيه من أول يوم دخلت فيه الشقة دي. انا ماكنتش مرات ابنها المستقلة في بيتها.. أنا كنت مجرد ضيفة قاعدة في بيت حماتها، بياخدوا إذنها في الهوا اللي بتتنفسه، وماليش حق حتى أحافظ على سترتي وخصوصية أوضة نومي!

سكت.. ما ردتش. حسيت إن الكلام خسارة في شخص مش شايف الغلط من أصله. دخلت الحمام وقفلت على نفسي الباب، وقعدت في الارض أعيط بصوت واطي عشان ما يسمعنيش، بس جوه مني كان في صوت أقوى بكتير بيصوت.. صوت بيقولي إنتي غلطتي، وجيتِ المكان الغلط، مع البني آدم الغلط.

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط برضه.. بس مش على باب الأوضة، دي خبطة على باب الشقة من بره، وراها صوت حماتي وهي بتفتح بالمفتاح بتاعها بكل ثقة ودخلت!

سمعتها وهي بتزعق في الصالة:
“إنتوا لسه نايمين لحد دلوقتي؟ الشمس طلعت! هو ده نظام العروسين الجداد؟ نوم لحد الظهر؟!”

بصيت لجنب لقيت جوزي قام بكل هدوء، ولا كأن في إهانة لينا ولا اقتحام لبيتنا الصبح بدري، وراح قابلها في الصالة وقال بصوت كله احترام مبالغ فيه:
“صباح الخير يا أمي.. معلش كنا سهرانين متأخر.”

بقت تقلب في الحاجات وتفتح التلاجة كأن الشقة بتاعتها بالظبط:
“أنا جبتلكم معايا فطار.. الطماطم اللي في الثلاجة دي باينة دبلانة، هرميها.. وانت يا أحمد هات لي الزبالة وأنت نازل.”

قعدت على السرير وجسمي بيلج من كتر الغيظ وقلة الحيلة. لبست هدومي وطلعت للصالة، لقيتها قاعدة على الكنبة بتشرب شاي، وبصتلي نظرة تقييم من فوق لتحت وقالت:
“على فكرة يا بنتي، الطريقة اللي بتسرحي بيها شعرك دي مش حلوة، جوزك بيحب الشعر المرفوع.. ابقي اعملي حسابك.”

الدم كوي في عروقي. دي مش حمات دي مراقبة أممية! دي واحدة عايزة تحطنا في قوالب هي اللي رسماها، وعايزة تدير حياتنا التحتية والفوقية وكأننا عيال صغيرة في ابتدائي.

بصيت لجوزي أستنجد بيه، لقيته بياكل اللقيمات ومش مهتم، بيبص في طبقه وكأنها ما قالتش حاجة تخصني.

ساعتها أخدت قرار.. قرار حسيت إني لازم أعمله مهما كانت النتائج.

يومها بالليل، لما جوزي نام ودخل في نوم عميق، قمت بالراحة جدًا من جنب السرير.. مسكت كشاف التليفون ونزلت على طرف صوابعي عشان ما أعملش أي صوت. رحت للدرج اللي جوزي كان حاطط فيه مفاتيح البيت الاحتياطي، دورت عليها لحد ما لقيتها..

مسكت مفتاح أوضة النوم الاحتياطي، ومفتاح الباب الرئيسي.. ووقفت قدام باب الأوضة من جوه.

القلب كان بيدق بجنون، والعقل كان بيقولي انتي بتعملي إيه؟ لو حسوا بيكي هتقومي حرب ما تخلصش. بس كرامتي واحساسي بالذل كان أقوى.

جبت ترباس صغير قديم كان موجود في أدوات الصيانة القديمة اللي في المطبخ، ومعاه مسامير صغيرة ومفك. فضلت واقفة بشتغل في طقطقة خفيفة جدًا عشان الصوت ما يطلعش.. بربط الترباس في أسفل باب أوضة النوم من جوه، في مكان بعيد عن عين أي حد يفتح بالمفتاح العادي.

خلصت.. رجعت السرير وأنا بموت من التعب والتوتر، بس كنت حاسة بشوية أمان وهمي.. أهو على الأقل لو حاجة حصلت، هتعرف إن الباب مش هيتفتح بالسهولة دي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى