منوعات

تركني بعد الحمل

أخذ نفسًا طويلًا، وبعدها فتح عينيه وبص في عيني مباشرة، وقال بنبرة خافتة:

«خطيبك.. الراجل اللي اختفى أول ما عرف إنك حامل، عينيه دول مش مجرد صدفة».

سكت لحظة، وبعدها كمل:

«العين الزرقا الفاتحة والعين البني الغامق.. دي علامة وراثية مشهورة في عيلة واحدة بس أنا أعرفها كويس جدًا.. عيلة العطار».

شعرت ببرودة تسري في أطرافي، وقلت بتلعثم:

«عيلة العطار؟ مين دول؟ وأنا مالي ومالهم؟»

جدي بلع ريقه بصعوبة، ونظر للطفلة ثم نظر لي وقال:

«أبوكِ الله يرحمه.. الراجل اللي رباكي وكان فاكرك بنته، ما كانش أبوكِ الحقيقي».

وقع الكلام عليّ كأنه صدمة ما كنتش مستعدة لها. شعرت بدوار شديد، وكأن الأرض بتتحرك من تحتي.

تراجعت خطوة للوراء وأنا بهز رأسي برفض:

«إنت بتقول إيه يا جدو؟! أبويا اللي مات هو أبويا! الراجل اللي كنت بشوفه بيحب أمي وبيهتم بيا.. إنت بتقول إيه؟!»

جدي بكى بصوت مسموع، وقال:

«اسمعيني للآخر يا بنتي.. الله يخليكي، اسمعيني».

وبدأ يحكي:

«أمك الله يرحمها، وهي أصغر منك بشوية، وقعت في حب شاب من عيلة العطار. كان شاب غني ومستهتر، وعدها بحياة جميلة، ولما عرف إنها حامل، اتخلى عنها واختفى بنفس الطريقة اللي اختفى بيها خطيبك».

سكت جدي لحظة، وكأن الذكريات رجعت قدامه بكل تفاصيلها.

ثم تابع:

«أمك كانت مكسورة ومش عارفة تعمل إيه، ولما عرفت بحملها، الدنيا اتغيرت في عينيها. وقتها أبوكِ الراحل، اللي كان صاحب عمري ورجل من أطهر الناس اللي عرفتهم، عرف بالحكاية».

«تقدم لأمك، وقرر يقف جنبها، واتجوزها وسافروا بعيد عن كل المشاكل. ولما اتولدتي، كتبك باسمه ورباكي على إنك بنته، وكان بيحبك كأنك قطعة منه. عمره ما حسسك إنك مختلفة، ولا خلاكي تحتاجي لأي حاجة».

جلست على الأرض عند قدمي جدي، غير قادرة على الوقوف.

دموعي نزلت بغزارة، وعقلي بيحاول يستوعب الحقيقة الجديدة. أنا طول عمري كنت فاكرة إني بنت الرجل اللي بكيت عليه سنين، وفجأة عرفت إن فيه حكاية تانية ما كنتش أعرف عنها أي حاجة.

لكن السؤال اللي كان بيلف في دماغي هو: إيه علاقة كل ده بخطيبي؟ وليه جدي قال إني مش فاهمة اللي حصل؟

رفعت رأسي، ودموعي بتغطي وشي، وقلت بصوت متقطع:

«ماشي يا جدو.. أنا فاهمة الصدمة. فاهمة إن أمي كان ليها ماضي، وإن أبويا اللي رباني مش أبويا البيولوجي. بس ده إيه علاقته باللي بيحصل معايا دلوقتي؟ ليه بتقول إني عملت حاجة من غير ما أعرف؟ خطيبي ماله ومال الشاب ده؟»

جدي حرك رأسه ببطء، وعيناه بتعكس خوفًا شديدًا.

اقترب مني وقال بصوت مرتجف:

«الشاب ده، اللي وعد أمك بحياة جميلة زمان، وكان عنده نفس العينين الغريبة دول.. ما كانش عنده غير ولد واحد بس».

سكت لحظة، وبعدين كمل:

«الولد ده اتسمى على اسم جده. وبعد ما أبوه اختفى من حياة أمك، راحت أخباره، لكن أنا سألت وعرفت إنه خلف ولدًا واحدًا من جوازة تانية».

بص لي جدي طويلًا، ثم نظر إلى الطفلة اللي بين إيديه.

«والولد ده كبر، وبقى له حياته الخاصة.. لكن اللي ما كنتش أعرفه، واللي ما كنتش أتخيله أبدًا، إنك في يوم من الأيام هتقابليه، وإن الحكاية القديمة هترجع تظهر من جديد بالطريقة دي».

حسيت إن نفسي بيتسحب مني.

سألته بصوت ضعيف:

«جدو.. إنت تقصد إيه؟»

لكنه ما ردش على طول. فضل باصص لي، وكأنه بيحاول يختار الكلمات اللي هيقولها بعناية.

وبعدين قال:

«أنا محتاج أعرف منك حاجة واحدة بس، يا بنتي.. خطيبك كان اسمه إيه بالكامل؟ وإنتِ تعرفي عنه إيه وعن عيلته؟»

في اللحظة دي، فهمت إن اختفاء خطيبي ما كانش بالضرورة مجرد هروب من المسؤولية، وإن فيه أسرار قديمة ممكن تكون مرتبطة بحياتي أكتر مما كنت أتخيل.

لكن جدي كان لسه مخبي عني جزءًا من الحقيقة، جزءًا واضح إنه خايف من اللحظة اللي هعرفه فيها.

بصيت لبنتي الصغيرة، اللي كانت نايمة بهدوء بين إيديه، وبعدين رفعت عيني لجدي وقلت:

«هقول لك كل حاجة يا جدو.. بس إنت كمان لازم تحكي لي كل اللي تعرفه، من غير ما تخبي عني أي تفصيلة تاني».

هز رأسه ببطء، ومسح دموعه، وقال:

«أوعدك يا بنتي.. المرة دي مش هخبي عنك حاجة».

لكنه قبل ما يبدأ كلامه، بص ناحية الباب فجأة، وكأنه سمع صوتًا خلّاه يتوتر.

وبعد لحظات، سمعنا جرس الباب بيرن.

بص جدي لي، وملامحه اتغيرت من جديد، وقال بصوت خافت:

«واضح إن الحقيقة هي اللي جاية تدور علينا المرة دي».

يتبع…

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى